المقريزي

222

المقفى الكبير

ثمال وأحكم التدبير فيما قرّره معه ، ووعده ومنّاه حتى نزل من قلعة حلب وسلّمها إلى وال من قبل المستنصر ، وسار من حلب يريد القاهرة . فلمّا بلغ إلى رفح بلغه القبض على اليازوريّ فقال : واللّه [ 365 أ ] إنّي أموت بحسرة نظرة إلى من استلّني من ذلك الملك وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلّا بحسن السياسة . ولو رام ذلك منّي قسرا لتعذّر عليه . [ أمثلة من أريحيّته ] وكان له من المآثر المرضيّة والخلال الحميدة والأفعال الجميلة « 1 » والأخلاق الرضيّة ما يتجمّل الملوك بذكرها : منها أنّه كانت له مائدة يحضرها كلّ قاض وفقيه وأديب جليل القدر ، فيجتمع عليها قريبا من عشرين نسمة . حدّث القاضي عمدة الدولة ابن حميد قال : كنت أجلس على يساره ، فإذا ازدحموا وكثر تضايقهم على المائدة ، جذبني إليه حتى يكاد ينحرف عن مجلسه . فأذكر يوما ونحن مجتمعون ، إذ استؤذن على الفقيه أبي عقبة ، فأمر بدخوله ، فلمّا دخل لم يجد موضعا فجذبني إليه بحيث صرت إذا مددت يدي إلى المائدة لا أرجعها إلى فمي إلّا بكلفة ، خوفا أن أصيبه بها . فبينا أنا كذلك وقد مددت يدي ورجعتها ، وهو قد مدّ يده فلم أمهل حتى ترجع فأصاب مرفقي جوخة « 2 » صدره ، فورد عليّ أمر عظيم من ذلك ، وتأخّرت وقبّلت الأرض وقلت : قد بسّطنا إنعام سيّدنا إلى حيث لا نستحقّه ، وأخرجنا إلى سوء الأدب . ولو أنعمت بنصب مائدة نجتمع عليها بحضرته لكان لنا في ذلك الشرف الأوفى والفخر الأسنى ، ولم ننته إلى هذا الحدّ في سوء الأدب . فقال : وما الذي أوجب قولك هذا حتّى ذكرت ما ذكرت ؟ ولقد نكدت بإيراده . فقلت : يا سيّدنا نسيء آدابنا فتغفر ونعترف بالخطإ فتنكره علينا ، ونعتذر عن ذلك فتلومنا عليه ، فما ندري بماذا نقابل إحسانك ، ولا بأيّ لسان نشكر تفضّلك . فقال : وما الذي كان حتى نحتاج إلى كلّ هذا ؟ - وأقبل يجذبني وأنا أتقبّض ، حتى زاد تمكّني باجتذابه لي فوق ما كنت عليه أوّلا ، وقرب كتفي من صدره ، وهو منطلق الوجه ظاهر البشر . وكان قبل ذلك اليوم يسمع حديثنا على المائدة ولا يكاد يجيب لأنّه كان كثير الصمت قليل الكلام لا نسمع منه إلّا اللفظ القليل عن الكلام الكثير . فابتدأ ذلك اليوم يتحدّث بما يستطاب حتى يزيل عنّي ما اعتراني من الغمّ بما كان منّي . ( قال : ) وأقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له في المبيت والصباح ، فكنت أراعيه في حالاته كلّها ليلا ونهارا فلا أراه يتغيّر عليّ منها شيء ، ولا يتبيّن لي منه غضب من رضى . فحدّثت أبي بذلك فقال : يا بنيّ ، إنّي لم أكن لأؤثر سماع ذلك منك ، فكيف سماع غيري له ؟ فلا تحدّث به أحدا ، وتلطّف في تأمّل ذلك منه إلى أن تقف عليه ، فإنّك إذا حدّثت به نسبت إلى غلظ الطبع وثخانة الحسّ والبله . فأقبلت أدقّق التأمّل له في حالتي غضبه ورضاه ، شهورا قبل أن يتبيّن لي : فكان إذا رضي تورّدت وجنتاه بحمرة . وإذا غضب اصفرّت محاجر عينيه . فعرّفت أبي بذلك ، فقال : يا بنيّ ، هذا غاية في سكون النفس وصحّة الطباع واعتدال المزاج . وكانت طبائعه قريبة من الاعتدال ، فإذا أحسّ بميل طباعه عمّا يعهده ، أخذ في إصلاحه حتّى تعود إلى الاستقامة .

--> ( 1 ) اتّعاظ 2 / 243 . ( 2 ) في المخطوط : جوجو . والجوخة نوع من الرداء الصوفي ( دوزي ) .